فخر الدين الرازي

27

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

وأما قوله جل جلاله : صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ فما أجل هذه المقامات ، وأعظم مراتب هذه الدرجات ! ومن وقف على ما ذكرناه من البيانات أمكنه أن يطلع على مبادئ هذه الحالات ، فقد ظهر بالبيان الذي سبق أن هذه السورة مشتملة على مباحث لا نهاية لها ، وأسرار لا غاية لها ، وأن قول من يقول هذه السورة مشتملة على عشرة آلاف مسألة ، كلام خرج على ما يليق بأفهام السامعين . الفصل الثاني في تقرير مشرع آخر يدل على أنه يمكن استنباط المسائل الكثيرة من الألفاظ القليلة ولنتكلم في قولنا : أَعُوذُ بِاللَّهِ فنقول : أعوذ نوع من أنواع الفعل المضارع ، والفعل المضارع نوع من أنواع الفعل ، وأما الباء في قوله « باللّه » فهي باء الإلصاق ، وهي نوع من أنواع حروف الجر ، وحروف الجر نوع من أنواع الحروف . وأما قولنا « اللّه » فهو اسم معين : إما من أسماء الأعلام ، أو من الأسماء المشتقة ، على اختلاف القولين فيه ، والاسم العلم والاسم المشتق كل واحد منهما نوع من أنواع مطلق الاسم ، وقد ثبت في العلوم العقلية ، أن معرفة النوع ممتنع حصولها إلا بعد معرفة الجنس ، لأن الجنس جزء من ماهية النوع ، والعلم بالبسيط مقدم على العلم بالمركب لا محالة ، فقولنا : أَعُوذُ بِاللَّهِ لا يمكن تحصيل العلم به كما ينبغي إلا بعد معرفة الاسم والفعل والحرف أولا ، وهذه المعرفة لا تحصل إلا بعد ذكر حدودها وخواصها ، ثم بعد الفراغ منه لا بد من تقسيم الاسم إلى الاسم العلم ، وإلى الاسم المشتق ، وإلى اسم الجنس ، وتعريف كل واحد من هذه الأقسام بحده ورسمه وخواصه ، ثم بعد الفراغ منه يجب الكلام في أن لفظة اللَّهِ اسم علم ، أو اسم مشتق ، وبتقدير أن يكون مشتقا فهو مشتق من ماذا ؟ ويذكر فيه الوجوه الكثيرة التي قيل بكل واحد منها ، وأيضا يجب البحث / عن حقيقة الفعل المطلق ، ثم يذكر بعده أقسام الفعل ، ومن جملتها الفعل المضارع ، ويذكر حده وخواصه وأقسامه ، ثم يذكر بعده المباحث المتعلقة بقولنا « أعوذ » على التخصيص ، وأيضا يجب البحث عن حقيقة الحرف المطلق ، ثم يذكر بعده حرف الجر وحده وخواصه وأحكامه ثم يذكر بعده باء الإلصاق وحده وخواصه ، وعند الوقوف على تمام هذه المباحث يحصل الوقوف على تمام المباحث اللفظية المتعلقة بقوله : أَعُوذُ بِاللَّهِ ومن المعلوم أن المباحث التي أشرنا إلى معاقدها كثيرة جدا . ثم نقول : والمرتبة الرابعة : من المراتب أن نقول : الاسم والفعل والحرف أنواع ثلاثة داخلة تحت جنس الكلمة ، فيجب البحث أيضا عن ماهية الكلمة وحدها وخواصها ، وأيضا فههنا ألفاظ أخرى شبيهة بالكلمة ، وهي : الكلام ، والقول ، واللفظ ، واللغة ، والعبارة ، فيجب البحث عن كل واحد منها ، ثم يجب البحث عن كونها من الألفاظ المترادفة ، أو من الألفاظ المتباينة ، وبتقدير أن تكون ألفاظا متباينة فإنه يجب ذكر تلك الفروق على التفصيل والتحصيل . ثم نقول : والمرتبة الخامسة : من البحث أن نقول : لا شك أن هذه الكلمات إنما تحصل من الأصوات